عبد الوهاب الشعراني
417
لواقح الأنوار القدسية في بيان العهود المحمدية
الجنّة لأعطاها إيّاه ذو طمرين لا يؤبه له لو أقسم على اللّه لأبرّه » . وروى الترمذي مرفوعا : « إنّ أغبط أوليائي عندي لمؤمن خفيف الحاذ ذو حظّ من صلاة أحسن عبادة ربّه وأطاعه في السّرّ وكان غامضا في النّاس لا يشار إليه بالأصابع وكان رزقه كفافا فصبر على ذلك ثمّ نقر بيده ، فقال : عجلت منيّته ، قلّت بواكيه قلّ تراثه » . وفي رواية الحاكم : « أغبط النّاس عندي » والباقي بنحوه . وروى الترمذي وحسنه مرفوعا : « عرض عليّ ربّي ليجعل لي بطحاء مكّة ذهبا قلت لا يا ربّ ولكنّي أجوع يوما وأشبع يوما أو قال ثلاثا أو نحوها ، فإذا جعت تضرّعت إليك وذكرتك ، وإذا شبعت شكرتك وحمدتك » . والحاذ : هو الخفيف الحال قليل المال . وروى ابن ماجة والحاكم : « إنّ اللّه تعالى يحبّ الأبرار الأتقياء الأخفياء الّذين إذا غابوا لم يفقدوا وإذا حضروا لم يعرفوا قلوبهم مصابيح الدّجى يخرجون من كلّ غبراء مظلمة » . والأحاديث في هذا الباب كثيرة واللّه تعالى أعلم . [ الزهد في الدنيا بالقلب : ] ( أخذ علينا العهد العام من رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ) أن نزهد في الدنيا بقلوبنا ونرضى منها بالقليل اقتداء بجمهور الأنبياء والأولياء ، ونرغب جميع إخواننا في ذلك ، وسيأتي في عهد الصبر على البلاء حديث الترمذي مرفوعا : « ليست الزّهادة في الدّنيا بتحريم الحلال ولا إضاعة المال ، ولكن الزّهادة في الدّنيا هو أن لا تكون بما في يدك أوثق ممّا في يد اللّه تعالى وأن تكون في ثواب المصيبة إذ أنت أصبت بها أرغب فيها لو أنّها أبقيت لك » . وخرج بقولنا بالقلب الزهد فيها باليد مع تعلق القلب بها ، فليس ذلك هو الزهد المشروع . ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ عظيم ما فوقه شيخ في عصره يسلك به حتى يخرجه من ظلمة حب الدنيا إلى نور حب الآخرة ويريها له كأنها رأي عين ، وهناك يزهد في الدنيا وجميع شهواتها المكروهة حين يرى حجابها له عن ربه مع فنائها وانقطاعها وعدم نظر ربه لها ، كما ورد : « إنّ اللّه تعالى منذ خلق الدّنيا لم ينظر إليها هوانا بها » . وقد ذكرنا في العهود السابقة أن حقيقة الزهد في الدنيا إنما هو زوال محبة المال والطعام والمنام والكلام ؛ فلا يزال السالك يتبع أستاذه وهو يخلصه من شبائك الأوهام شيئا فشيئا إلى أن يخلصه من الدنيا بأسرها ثم يرجع به رجوعا ثانيا ، ويقول له أمسك جميع ما كنت أنهاك عنه في الذهاب وانو له نية صالحة واستعمل كل شيء فيما خلق له على الوجه المشروع ، على أن الزاهدين المتورعين كلهم لا يصح لهم الزهد ولا التورع عما قسمه الحق لهم أبدا ، إنما حقيقة الزهد والتورع زوال تعلق القلب بما لم يقسم لا غير . فعلم أن المريد متى رأى شفوق نفسه على من لم يزهد ولم يتورع فهو في عالم